يخضع نظام التسمية أو إعادة التسمية كغيره من الأنظمة للعديد من الاكراهات والشروط, الصريحة والضمنية. تحاول هذه الورقة طرح فكرة مفادها: إن التسمية واستراتيجياتها المتعددة, لا تخلو في معظم الظروف والأحوال من أهداف ٍ وغايات. قد ترتبط هذه الأهداف والغايات, بدوافع دينية أو حضارية او تاريخية. يتم النظر لهذه الظاهرة هنا نظرة تاريخية انتربولوجية عامة.ذلك ان هذه الظاهرة لا تقتصر على مناطق جغرافية وحضارية معينة, و لا تنحصر في فضاءات ٍ معرفية محددة.
تجليات الظاهرة :-
المقصود بنظام التسمية او إعادة التسمية : هو ذلك النظام المعقد , او المتشابك, والذي يهدف الى تسمية شيء معين, او إعادة تسميته. ف علم التسمية هو فرع من أبحاث المعاجم, ينطلق من مفهوم ٍ معين من الواقع (شيء , فكرة , ميزة , حركة, الخ) ويسأل عن تعيينها(او اسمها). انه الاقتراب المعاكس لما يسمى بعلم الدلالة , الذي ينطلق من الكلمة ويبحث عن معناها وعن المفهوم الذي تدل عليه هذه الكلمة.
في علم التسمية يبحث اللغويون في الأمور الزمنية التي تدور حول مجرى وأسباب اختلاف دلالة أسماء الأشياء والتشابكات والتعقيدات الباعثة لهذه الاختلافات.
يأتي تشابك هذا النظام وتعقيده, من تلك الخلفيات والمرجعيات الباعثة, والأهداف المنتظرة من التسمية او إعادة التسمية. تمارس بعض العوامل التاريخية دورا ً متعمدا ً في إظهار او اختفاء بعض الأسماء مثلما هو الحال لدى ظهور ديانات ٍ جديدة, او انتصار طرف ما في معركة ٍ معينة , او تماهيا ً مع إحدى الشخصيات المؤثرة.
كيف يمكن الحديث عن تلك التسميات التاريخية او إعادة التسميات, المتعلقة بفضاء ٍ جغرافي معين , او بحقل ٍ معرفي محدد , او بكائن ٍ بشري مخصوص؟ دون التساؤل عن مغزى وهدف هذه التسمية او تغييرها.
نستطيع ان نقول في البداية انه لا توجد تسمية بريئة ومحايدة. ذلك ان لكل تسمية أسس وغايات, وهي بالتالي تمارس مجموعة من الاقصاءات والتهميش.
تكشف التسمية, او تغيير التسمية, عن وجود رغبة في التملك والسيطرة , رغبة التملك الرمزي. وهي تفصح عن رغبة اخرى اكثر عمقا ً. انها رغبة المحو والالغاء , ذلك ان التسمية او تغييرها , عبارة عن خلق ٍ آخر للحاضر, وإلغاء لعنصر ٍ مهم من عناصر الماضي الفردي والجماعي وللأجيال القادمة الا وهو عنصر الذاكرة.
لا يمكن ممارسة هذا الالغاء دون الحديث عن الاطار المعرفي الذي تخلقه التسمية الجديدة , فلكي تكون التسمية الجديدة مقبولة من الفضاء الاجتماعي والمعرفي والمفاهيمي للمتلقين, ينبغي ان توحي التسمية الجديدة بالجوانب السلبية للتسمية القديمة , وان تشوه تلك الصورة الموجودة في اذهان المتلقين للتسمية السابقة. تأتي التسمية كنتيجة للوضعية التي يتمتع بها صاحب التسمية الجديدة , ف لا يمكن الحديث عن ضعيف ٍ يغير من تسمية منطقة ٍ جغرافية معينة ويبدلها بتسمية ٍ اخرى تتناسب ومفاهيمه ورؤاه.
نجد الكثير من المصطلحات المتداولة والتي تحتاج الى كشف ٍ وفضح , لما تمارسه من إقصاء وتهميش للأقليات وللمختلفين من النواحي الدينية والعرقية واللغوية. ف اذا نظرنا لمصطلح (العالم العربي والاسلامي) او (الوطن العربي والاسلامي) , نجد انه يحتاج الى كشف ٍ وتعرية , لما يتضمنه من إقصاء ٍ متعمد من قبل اصحاب التسمية, لكل ما يختلف عن هذا المصطلح العريض, ولكل ما يسكن تحت هذه التسمية من تنوع ٍ وتعدد.
من الواضح من التسمية انها تشير الى فضاء ٍ جغرافي وديني ولغوي محتكر فقط من قبل مفاهيم وأطر معرفية تنتمي لنظام ٍ عقائدي واحد يسمى الاسلام , ولغوي واحد يطلق عليه اللغة العربية, في حين ان هذه التسمية ما تلبث ان تكشف عن زيفها, ورغباتها المتعددة. ف بنظرة ٍ تاريخية نجد ان مصطلح (العالم الاسلامي), قد بدأ يحل محل دار الاسلام والذي جاء حسب استخدام القدماء كنقيض ٍ لمصطلح دار الحرب, والذي يوحي للمتلقي المنغمس في هذه الرؤى والايدلوجيات, بضرورة التعبئة والتجييش ضد هذا المختلف والمسمى بالنقيض, أي دار الحرب كما هي التسمية الايدلوجية القديمة.
ف بحسب هذه التسمية والسياق الذي نشأ فسه هذا المصطلح, لا يمكن الحديث عن أطر مفاهيمية عقائدية مغايرة للإطار الديني الاسلامي, وكذلك للنظام اللغوي العربي, انها(التسمية) , تشير وبشكل ٍ رمزي الى تلك الثنائية التي لا تقبل المغايرة والاختلاف. في حين اذا نظرنا نظرة معاصرة لهذه التسمية نجد انها تقصي العديد من الاعراق والاديان واللغات, وتهمّش هذه الفضاءات المتنوعة والمتعددة. ف تحت هذا المصطلح تقبع الكثير من الديانات والاعراق واللغات , موغلة في القدم , بل ونجدها اقدم من الاطار المعرفي الديني الاسلامي واللغوي العربي. على المستوى الديني نجد ان تحت هذا المصطلح تنضوي الكثير والعديد من الديانات كالمسيحية واليهودية والهندوسية وغيرها , وعلى المستوى اللغوي نجد ان الاكراد والامازيغ والطوارق وغيرها. انها تتحدث وتعتقد اعتقادات مغايرة لما يوحي به المصطلح.
تغيير التسمية يشير الى رغبة في محو وإلغاء الذاكرة الجماعية للمتلقين , والى بلورة عقول الاجيال اللاحقة بما بتناسب وايدلوجيا السلطة التي غيرت هذه التسمية.نجد ذلك واضحا ً في تلك التغييرات التي حدثت في بداية الظهور للدين الاسلامي في الفضاء الاسلامي , سواء ً حول الفضاءات الجغرافية ام الحقول المعرفية , ففي الفضاء الجغرافي نجد انه وبفضل هذا الخطاب تم تغيير (يثرب) الى (المدينة) , وفيما يخص الحقول المعرفية نجد انه تم إلصاق تسمية (الجاهلية) على تلك الفترة التاريخية السابقة على ظهور الدين الاسلامي , في حين ان ثمة عناصر ومعطيات تنتمي لما قبل الاسلام وجدت فيما بعد في النظام الاسلامي ذاته. إضافة لذلك ان بعض الاشخاص والاماكن قد تمت اعادة تسميتهم بعد ظهور وانتشار الدعوة الاسلامية.
ليست هذه المسألة حصرية , على فئة ٍ عرقية او حضارية او دينية معينة , فهي ظاهرة انتربولوجية عامة , لا تفتصر على نظام ٍ دون آخر, ففي تلك الفترة التي تكونت فيها ما يعرف حاليا ً بالولايات المتحدة الامريكية , وإبان الاجتياح الذي تعرض له سكان امريكا الاصليين , أي اولئك البشر القاطنيين في تلك المنطقة الجغرافية , ونجد انه وبهدف محو الذاكرة الجماعية و ما تعرضت له هذه الجماعات والقبائل, قد تم تغيير اسناء المناطق الجغرافية , حتى ان قد تم تغييرهم من (سكان امريكا الاصليين) الى (الهنود الحمر) , كما رأتهم السلطة المستعمرة او كما ارادت ان يصلوا للأجيال اللاحقة, هذا فضلا ً عن تلك التغييرات فيما يتعلق بالفضاءات الجغرافية المتعددة.
في فضاء ٍ جغرافي آخر , وعلى ضوء معطيات ٍ تاريخية اخرى , نلاحظ بكل وضوح ٍ وجلا ء , ضرورة وربما خطورة تغيير المسميات بما يتناسب والوضع الجديد, نلاحظ انه لدى قيام ما يسمى(بالدولة الاسرائيلية), عمدت الى إعادة تسمية اسماء مناطق متعددة , واماكن مختلفة اضافة الى التملك المادي للفضاءات الجغرافية. لقد تم تغيير ذلك الفضاء الجغرافي الممتد والمسمى قديما ً(قبل اعادة التسمية) ب (فلسطين) الى (اورشليم) , وذلك ليتناسب ومفاهيم الوضع الجديد. لماذا تمت عملية تغيير التسمية؟ ألا يكفي الامتلاك المادي للفضاء الجغرافي ؟ في الواقع ان اعادة التسمية تستمر لأجيال ٍ قادمة , وتضمن تثبيت السيادة الفعلية وبشكل ٍ خاص خاص في الادبيات النتجة من قبل الفاعلين الاجتماعيين الجدد في الفضاء الجغرافي. ان مسألة تغيير التسمية في هذا السياق مسألة تاريخية , ف (ارشليم) حسب بعض الروايات , هي المدينة المقدسة لليهود منذ القرن العاشر قبل الميلاد, ومعنى إعادة التسمية بهذا الاسم الموغل في التاريخ معناه التواصل الرمزي والمستمر مع تلك الفترة التاريخية بكل ما تتضمنه من امتلاك ٍ مادي وبناء ٍ حضاري. ان اعادة التسمية او تغييرها بشكل ٍ عام يساهم بشكل ٍ كبير في الاتصال بذلك الموروث القديم والمسمى بالتراث , انها تساعد على بعثه واحيائه ليقوم بدور ٍ كبير ومهم ومواز ٍ لما تقوم به المؤسسات العسكرية والاعلامية وغيرها.
ثمة ظاهرة تتعلق بهذه المسألة : الا وهي ذلك التكرار في بعض الاسر لأسماء معينة , وتوارثها لأجيال ٍ متعاقبة من جيل ٍ لآخر. تستمر هذه الظاهرة اذا كان الجيل السابق او الشخص المسمى به قد حقق شيئا ً يذكر في عصره , او كان صاحب سمعة متميزة في مجتمعه , وبشكل ٍ خاص اذا اشتركت هذه الشخصية في البعد الديني فإنها تجد اصداء كبيرة وتتابعا ً تاريخيا ً بعيد المدى.
تكشف لنا هذه الظاهرة عن وجود رغية دفينة في الاحتفاظ بهذه الذكرى , او مواصلة الخط السلوكي الذي جاء به الجيل السابق , ويبدو ان هذه الرغبة لن تتحقق الا عن طريق هذا الحنين الذي يتجلى في مواصلة هذا التكرار للإسم على طول الخط التاريخي. تقودنا هذه الظاهرة الى تلك (الموضة) التي سادت لدى البعض وانتشرت في اوقات الازمات , وهم في الواقع يتزايدون بشكل ٍ مستمر, وهي التسمية بالاشخاص الذين انجزوا انجازات ٍ تاريخية فعلية, غيرت مجرى التاريخ, وادت الى بروز الحضارة لتي ينتمون اليها. من هنا نجد ان اسماء معينة قد انتشرت في الفترة الزمنية التي مرت وما تزال تمر بها ما تسمى الامة العربية والاسلامية من تقهقر وتراجع على جميع الاصعدة. تحيلنا هذه الظاهرة الاخيرة , الى محاولة إيجاد نوع من التعويض , في الاجيال القادمة عن طريق التعلق بالاسماء التي انجزت اشياء رائعة. وهي تكشف في الواقع عن تلك النمطية التي يتم التعامل بها مع الحضارات والمستقبل , ف من النادر جدا ً في هذه (الموضة) اسماء علماء وفلاسفة , ولكننا في المقابل نجد اسماء زعماء حرب, وقادة معارك. لكأن الحضارة تبنى وتزهر بالقوة والعنف فقط.
الخاتمة :-
تعتبر ظاهرة التسمية او اعادة التسمية , ظاهرة موغلة في القدم , أي انها ليست جديدة , وهي كما سبق القول , لاتنحصر في حضارة معينة دون اخرى. انها ظاهرة انتربولوجية عامة. وهي مرتبطة بالعوامل التاريخية والسياقات التي تمر بها الفضاءات الجتماعية للأمم والحضارات. تساهم التسمية بتغيير نظرة الفاعليين الاجتماعيين للعالم ورؤيتهم له. فهي تعمل بعمق وببط في آن على تجزئة الكون لتلك الثنائية الضدية التي لا تحتمل المختلف والنقيض , انها تقوم بغرس المحرمات عن طريق بعض التسميات ومحاربتها , وتنمية بعض الرؤى عن طريق الاكثار من التسميات ومصادرها.
علي بن سليمان الرواحي
ملاحظة : حصلت هذه الرؤية على المركز الثاني في مسابقة المنتدى الادبي للعام 2006.
Tuesday, October 23, 2007
خطابات "جونو".
انتهى الاعصار "جونو" وبقيت آثاره المادية والنفسية والمعنوية, وعلى إثر هذه الآثار نشأت مفاهيم جديدة , وتكشّفت مظاهر مختلفة للمجتمع العماني , لم تكن متوقعة ادهشت جميع المراقبين للحدث .
ثمة خطابات رافقت هذا الاعصار, فهو (الاعصار) لم يأت وحيدا ً, اعزل , بل كان وصوله المفاهيمي سابقا ً على وصوله الواقعي. وفي المقابل ثمة خطابات اختفت او توارت خلف الاحداث وخلف الخوف الطبيعي من نتائج هذا الاعصار.
تحاول هذه الورقة التطرق للخطابات المصاحبة للإعصار "جونو" , والخطابات التي اختفت او ظهرت فيما بعد او جاء ظهورها من مصادر غير فاعلة بشكل ٍ اساسي كالمواطنين , او وسائل الاعلام المختلفة.
في البداية لم يصل "جونو" الى المناطق العمانية المتوقعة , الا وصولا ً مفاهيميا ً, وهذا الوصول المفاهيمي جعل بعض الخطابات تتصدّر الواجهة الاعلامية اليومية , مما جعل هذه الخطابات تمارس بشكل ٍ غير مباشر نوعا ً من الهيمنة على اذهان وسلوكيات المتابعين لهذه الخطابات والمنتظرين لنتائجها الواقعية المتسارعة.
تصدّر خطاب الارصاد الجوية , بوصفه الخطاب الاقرب للواقعية , والاكثر ميلا ً نحو التحقق , تصدر الواجهة الاعلامية , والواجهة التصديقية , فهو الخطاب الوحيد الذي تتحرك على إثر نتائجه جميع التوقعات والجهات المعنية. برغم انه يبدأ بأنه خطاب تنبؤي, من الممكن ان يصيب او يخطيء , الا ان الوسائل التي يستخدمها ,والطرق التي تجعله يصل لكل بياناته ومعلوماته , هذه الوسائل هي التي وضعته في اول قائمة الخطابات الصادقة تقريبا ً , والممكن حدوثها. لم يصل هذا الخطاب الى نتائجه برغم تنبؤه وتكراره لهذه الصفة , لم يصل الى نتائجه بوسائل يقينة بحته , وهو في المقابل لم يصل اليها عن طريق خداع او تزييف الاحداث للمتابعين له , بغرض جذبهم والسيطرة عليهم.
لقد استخدم هذا الخطاب التنبؤي وسائل علمية , من اجهزة رصد , ومتابعة لكل ما تأتي به.
ثمة فعل هام جدا قام به مصدر هذا الخطاب, ف الى جانب التحذيرات والتوقعات التي اقتربت من مرتبة التحقق الا ان الجانب الهام هو عقلنة الاعصار ومفهمته اي جعله يصل للمتلقي بشكل مفاهيمي في الدرجة الاولى. لقد سعى هذا الخطاب الى محاولة السيطرة المفاهيمية على المتلقين وهو ما يكشف ان هذا الخطاب بوصفه خطابا ً علميا ً او اقرب للعلمية او بكلام ٍ اصح بوصفه خطابا ً يستخدم الوسائل والطرق العلمية قد استحوذ على مجريات الاحداث. بل ولقد صاغها بطريقة ٍ مباشرة وعلى إثر هذه الصياغة تحركت بقية الخطابات والاحداث.
بعد هذه الهيمنة المفاهيمية لخطاب الارصاد الجوية التنبؤي جاء خطاب لجنة الدفاع المدني وهو في الواقع خطاب مهيمن وتابع في نفس الوقت. فهو مهيمن على بقية القطاعات التي كان يسيّرها والتي كانت تحت سيطرته من اجهزة امن وقوات مسلحة , وهو من جهة اخرى تابع لما يأتي به خطاب الارصاد الجوية. ف خطاب الدفاع المدني يضع خططه وبرامجه بناء ً على ما يتوصل اليه خطاب الارصاد الجوية. لم يكن خطاب الدفاع المدني هو الخطاب الوحيد الذي يتحرك بناء ً على الخطاب الرئيسي بل ثمة خطابات اخرى جاءت كخطابات ٍ تابعة له منها قطاع الخدمات والكهرباء وغيرها.
لم تكن هذه الخطابات بالرغم من اهميتها ككل , لم تكن تحاول السيطرة على الاعصار او الوقوف في مساره بل كانت تحاول جاهدة ان تتعقبّ نتائجه وتسارع في تحذير القاطنين في خط سيره , لتقليل اكبر عدد ممكن من الخسائر الممكنة.
كشفت هذه الخطابات وحضورها وفاعليتها, كشفت الامكانيات الواسعة التي يستطيع الكائن البشري ان يسخرها للحفاظ على مكتسباته ومنجزاته. كما كشفت الامكانيات الكبيرة التي توصل اليها العقل البشري من اختراعات ٍ وتقنيات لمحاولة الحد من الكوارث الطبيعية , لا يعني الكلام الاخير ان ننسى الخسائر البشرية والمادية التي تسبب بها الاعصار, ولكن ذلك يعني انه بفضل هذه التقنية ومنجزات العقل البشري امكن لهذا الكائن ان يقلل الى حد ٍ كبير من هذه الخسائر ونتائجها. لم تستطع الخطابات التي لم تتخذ الوسائل العلمية والتقنية لم تستطع ان تجد لها مكانا ً مناسبا ً واساسيا ً في مثل هذه المواقف والاحداث. لقد انزوت و اختفت او اصبحت بمثابة اضافات لاحقة , وفي مقدمتها الخطاب الادبي والفقهي. ف اذا ما نظرنا الى الخطاب الادبي نجد انه يأتي في معظم الاحوال كشاهد على ما يجري, يقوم بعملية سرد وجداني للحدث وآثاره المختلفة. في حين ان الخطاب الفقهي كان الى وقت ٍ قريب بمثابة العمود الفقري للرؤية والتفاسير لمثل هذه الاحداث, وهو في هذه الرؤى لا يستطيع الخروج من ذلك التقسيم الديني الشهير المانوي بين الخير والشر او الثواب والعقاب , فكل ما يأتي من احداث ٍ وظواهر طبيعية يجب التعامل معها , كما يرى الخطاب الديني, كعلامة من علامة الغضب الإلهي او الثواب. هذه الرؤية الاخيرة توارت واختفت هذه المرة ومن المحتمل ان تكون هذه هي البداية الفعلية لهذا الاختفاء , وظهور العلم وتفاسيره في اقرب الظواهر للكائن البشري , هذه الظواهر التي تفعل الكثير في هذا الكائن ومنجزاته. لم يكن هذا الاختفاء خارجا ً عن التاريخ واحداثه وعن العلم وتاريخه. ف بعد ان كان الفقه هو العلم الاول بإمتياز وهو الذي ترتكز على اسسه جميع الرؤى والتصورات ؛ ها هي دائرته تضيق يوما ً بعد الآخر. وهذه الدائرة الفقهية التي اصبحت ضيقة لم تخلفّ فراغا ً في الرؤية ذلك ان الخطابات التي تتخذ الوسائل العلمية والطرق التقنية قد اخذت تحل محل الخطاب الديني, بل واخذت تقدم الحلول والامكانيات التي تساعد الكائن البشري على الخروج من نتائج مواجهته مع الظواهر الطبيعية.
الى جانب هذه الخطابات التي ظهرت والتي اختفت في نفس الوقت كانت هناك خطابات موازية مهمة وهي في عمقها خطابات تنتمي للفكر العلمي اي لذلك الفكر القادم من العلم وتاريخه وتطوره, ومنها الخطاب الصحي التحليلي الذي يحذر من الاوبئة والامراض.
لايمكن فهم الاحداث بمعزل عن الخطابات والعكس صحيح ايضا ً, ذلك ان الخطابات ونسبة تداولها وقابلية تصديقها هو حدث دال في حد ذاته, فهذا الحدث يعبر عن تلك الرغبة التي تسيطر على المتلقي في مواجهة الحدث من خلال مفاهيم وطرق واقعية.
كان لبعض الخطابات حضور ضمني, موغل في التخفي وفاعل بشكل ٍ كبير في الاحداث ونتائجها, تجلى هذا الخطاب في تلك المساعدات وذلك التكافل والاتحاد في ما بين الجميع, بغض النظر عن الفوارق والتصنيفات البعدية. لم تكن المساعدات فيما بين الجميع بناء ً على توجيه ٍ من اي مصدر أو اي سلطة, سواء ً أكانت هذه السلطة دينية ام سياسية, بل كانت هذه الافعال نتيجة للحس الانساني العام والمشترك, هذا الحس الذي يتناسى الفروقات وبصورة ٍ طبيعية, يتناساها في الاوقات العصيبة من حياة الكائن البشري.
علي سليمان الرواحي
Al_rawahi_ali@hotmail.com
ثمة خطابات رافقت هذا الاعصار, فهو (الاعصار) لم يأت وحيدا ً, اعزل , بل كان وصوله المفاهيمي سابقا ً على وصوله الواقعي. وفي المقابل ثمة خطابات اختفت او توارت خلف الاحداث وخلف الخوف الطبيعي من نتائج هذا الاعصار.
تحاول هذه الورقة التطرق للخطابات المصاحبة للإعصار "جونو" , والخطابات التي اختفت او ظهرت فيما بعد او جاء ظهورها من مصادر غير فاعلة بشكل ٍ اساسي كالمواطنين , او وسائل الاعلام المختلفة.
في البداية لم يصل "جونو" الى المناطق العمانية المتوقعة , الا وصولا ً مفاهيميا ً, وهذا الوصول المفاهيمي جعل بعض الخطابات تتصدّر الواجهة الاعلامية اليومية , مما جعل هذه الخطابات تمارس بشكل ٍ غير مباشر نوعا ً من الهيمنة على اذهان وسلوكيات المتابعين لهذه الخطابات والمنتظرين لنتائجها الواقعية المتسارعة.
تصدّر خطاب الارصاد الجوية , بوصفه الخطاب الاقرب للواقعية , والاكثر ميلا ً نحو التحقق , تصدر الواجهة الاعلامية , والواجهة التصديقية , فهو الخطاب الوحيد الذي تتحرك على إثر نتائجه جميع التوقعات والجهات المعنية. برغم انه يبدأ بأنه خطاب تنبؤي, من الممكن ان يصيب او يخطيء , الا ان الوسائل التي يستخدمها ,والطرق التي تجعله يصل لكل بياناته ومعلوماته , هذه الوسائل هي التي وضعته في اول قائمة الخطابات الصادقة تقريبا ً , والممكن حدوثها. لم يصل هذا الخطاب الى نتائجه برغم تنبؤه وتكراره لهذه الصفة , لم يصل الى نتائجه بوسائل يقينة بحته , وهو في المقابل لم يصل اليها عن طريق خداع او تزييف الاحداث للمتابعين له , بغرض جذبهم والسيطرة عليهم.
لقد استخدم هذا الخطاب التنبؤي وسائل علمية , من اجهزة رصد , ومتابعة لكل ما تأتي به.
ثمة فعل هام جدا قام به مصدر هذا الخطاب, ف الى جانب التحذيرات والتوقعات التي اقتربت من مرتبة التحقق الا ان الجانب الهام هو عقلنة الاعصار ومفهمته اي جعله يصل للمتلقي بشكل مفاهيمي في الدرجة الاولى. لقد سعى هذا الخطاب الى محاولة السيطرة المفاهيمية على المتلقين وهو ما يكشف ان هذا الخطاب بوصفه خطابا ً علميا ً او اقرب للعلمية او بكلام ٍ اصح بوصفه خطابا ً يستخدم الوسائل والطرق العلمية قد استحوذ على مجريات الاحداث. بل ولقد صاغها بطريقة ٍ مباشرة وعلى إثر هذه الصياغة تحركت بقية الخطابات والاحداث.
بعد هذه الهيمنة المفاهيمية لخطاب الارصاد الجوية التنبؤي جاء خطاب لجنة الدفاع المدني وهو في الواقع خطاب مهيمن وتابع في نفس الوقت. فهو مهيمن على بقية القطاعات التي كان يسيّرها والتي كانت تحت سيطرته من اجهزة امن وقوات مسلحة , وهو من جهة اخرى تابع لما يأتي به خطاب الارصاد الجوية. ف خطاب الدفاع المدني يضع خططه وبرامجه بناء ً على ما يتوصل اليه خطاب الارصاد الجوية. لم يكن خطاب الدفاع المدني هو الخطاب الوحيد الذي يتحرك بناء ً على الخطاب الرئيسي بل ثمة خطابات اخرى جاءت كخطابات ٍ تابعة له منها قطاع الخدمات والكهرباء وغيرها.
لم تكن هذه الخطابات بالرغم من اهميتها ككل , لم تكن تحاول السيطرة على الاعصار او الوقوف في مساره بل كانت تحاول جاهدة ان تتعقبّ نتائجه وتسارع في تحذير القاطنين في خط سيره , لتقليل اكبر عدد ممكن من الخسائر الممكنة.
كشفت هذه الخطابات وحضورها وفاعليتها, كشفت الامكانيات الواسعة التي يستطيع الكائن البشري ان يسخرها للحفاظ على مكتسباته ومنجزاته. كما كشفت الامكانيات الكبيرة التي توصل اليها العقل البشري من اختراعات ٍ وتقنيات لمحاولة الحد من الكوارث الطبيعية , لا يعني الكلام الاخير ان ننسى الخسائر البشرية والمادية التي تسبب بها الاعصار, ولكن ذلك يعني انه بفضل هذه التقنية ومنجزات العقل البشري امكن لهذا الكائن ان يقلل الى حد ٍ كبير من هذه الخسائر ونتائجها. لم تستطع الخطابات التي لم تتخذ الوسائل العلمية والتقنية لم تستطع ان تجد لها مكانا ً مناسبا ً واساسيا ً في مثل هذه المواقف والاحداث. لقد انزوت و اختفت او اصبحت بمثابة اضافات لاحقة , وفي مقدمتها الخطاب الادبي والفقهي. ف اذا ما نظرنا الى الخطاب الادبي نجد انه يأتي في معظم الاحوال كشاهد على ما يجري, يقوم بعملية سرد وجداني للحدث وآثاره المختلفة. في حين ان الخطاب الفقهي كان الى وقت ٍ قريب بمثابة العمود الفقري للرؤية والتفاسير لمثل هذه الاحداث, وهو في هذه الرؤى لا يستطيع الخروج من ذلك التقسيم الديني الشهير المانوي بين الخير والشر او الثواب والعقاب , فكل ما يأتي من احداث ٍ وظواهر طبيعية يجب التعامل معها , كما يرى الخطاب الديني, كعلامة من علامة الغضب الإلهي او الثواب. هذه الرؤية الاخيرة توارت واختفت هذه المرة ومن المحتمل ان تكون هذه هي البداية الفعلية لهذا الاختفاء , وظهور العلم وتفاسيره في اقرب الظواهر للكائن البشري , هذه الظواهر التي تفعل الكثير في هذا الكائن ومنجزاته. لم يكن هذا الاختفاء خارجا ً عن التاريخ واحداثه وعن العلم وتاريخه. ف بعد ان كان الفقه هو العلم الاول بإمتياز وهو الذي ترتكز على اسسه جميع الرؤى والتصورات ؛ ها هي دائرته تضيق يوما ً بعد الآخر. وهذه الدائرة الفقهية التي اصبحت ضيقة لم تخلفّ فراغا ً في الرؤية ذلك ان الخطابات التي تتخذ الوسائل العلمية والطرق التقنية قد اخذت تحل محل الخطاب الديني, بل واخذت تقدم الحلول والامكانيات التي تساعد الكائن البشري على الخروج من نتائج مواجهته مع الظواهر الطبيعية.
الى جانب هذه الخطابات التي ظهرت والتي اختفت في نفس الوقت كانت هناك خطابات موازية مهمة وهي في عمقها خطابات تنتمي للفكر العلمي اي لذلك الفكر القادم من العلم وتاريخه وتطوره, ومنها الخطاب الصحي التحليلي الذي يحذر من الاوبئة والامراض.
لايمكن فهم الاحداث بمعزل عن الخطابات والعكس صحيح ايضا ً, ذلك ان الخطابات ونسبة تداولها وقابلية تصديقها هو حدث دال في حد ذاته, فهذا الحدث يعبر عن تلك الرغبة التي تسيطر على المتلقي في مواجهة الحدث من خلال مفاهيم وطرق واقعية.
كان لبعض الخطابات حضور ضمني, موغل في التخفي وفاعل بشكل ٍ كبير في الاحداث ونتائجها, تجلى هذا الخطاب في تلك المساعدات وذلك التكافل والاتحاد في ما بين الجميع, بغض النظر عن الفوارق والتصنيفات البعدية. لم تكن المساعدات فيما بين الجميع بناء ً على توجيه ٍ من اي مصدر أو اي سلطة, سواء ً أكانت هذه السلطة دينية ام سياسية, بل كانت هذه الافعال نتيجة للحس الانساني العام والمشترك, هذا الحس الذي يتناسى الفروقات وبصورة ٍ طبيعية, يتناساها في الاوقات العصيبة من حياة الكائن البشري.
علي سليمان الرواحي
Al_rawahi_ali@hotmail.com
Subscribe to:
Posts (Atom)